المغرب العربي: حضارة واحدة في خمسة أوطان — فعلام الخلاف؟
• تشابك الثقافات في المغرب العربي
يُعدّ المغرب العربي — الجزائر وتونس والمغرب وليبيا وموريتانيا — من أكثر مناطق العالم ثراءً بتداخل الحضارات وتشابك الهويات، إذ التقت على أرضه موجات بشرية وحضارية متعاقبة، تركت كلٌّ منها أثراً لا يُمحى في نسيج المنطقة.
في الأصل، قامت هذه الأرض على الحضارة الأمازيغية العريقة، تلك الهوية الجذرية التي صمدت عبر الآلاف من السنين، واحتفظت بلغتها وموسيقاها وفنونها وعاداتها رغم كل ما اجتاحها من فتوحات. ثم جاء الفينيقيون فأسّسوا قرطاجة، وأضافوا إلى المنطقة طابعاً تجارياً وحضرياً مبكراً. وتلاهم الرومان الذين تركوا آثاراً معمارية باهرة لا تزال شاهدة حتى اليوم في تيمقاد ولبدة الكبرى وقرطاج.
ومع الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، دخلت المنطقة حقبة جديدة كلياً؛ فاعتنق أهلها الإسلام، وتشرّبوا اللغة العربية، وأصبحوا رافداً أصيلاً في الحضارة الإسلامية. بيد أن هذا الاندماج لم يكن إلغاءً للهوية الأمازيغية، بل كان مزجاً خلّاقاً أفرز شخصيةً فريدة لا هي عربية خالصة ولا أمازيغية مجردة، بل هي الاثنتان معاً في انسجام عجيب.
ثم أضافت الحقبة الأندلسية بُعداً آخر لا يُستهان به؛ إذ نزح إلى المغرب العربي آلاف المسلمين واليهود الفارّين من إسبانيا بعد سقوط غرناطة، فجلبوا معهم فنوناً وعمارةً وموسيقى وطرازاً في الحياة ما زال حاضراً في مدن كتلمسان وتطوان وتونس العاصمة. وجاء الوجود العثماني لاحقاً ليُضيف طبقة جديدة من التأثيرات المشرقية، قبل أن يُخلّف الاستعمار الأوروبي — الفرنسي والإيطالي والإسباني — أثره العميق في اللغة والتعليم والعمران والذوق الجمالي.
والجميل في ثقافة المغرب العربي أنها لم تُذعن لأيٍّ من هذه الموجات إذعاناً كاملاً، بل آثرت أن تنتقي وتُدمج وتُعيد تشكيل ما وصلها وفق روحها الخاصة، فكانت النتيجة هويةً بالغة التعقيد والثراء، تحتفي بالتعدد دون أن تفقد خيطها الجامع.
• كلمة إلى من يتصارعون على التراث
ثمة ظاهرة مؤسفة باتت تنتشر بين بعض الشباب
المغاربي على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي التنافس الحاد على نسب الموروث الثقافي المشترك — من موسيقى وأطباق وملابس وطقوس — إلى بلد بعينه، ونفيه عن سائر الجيران، كأن التراث قطعة أرض تُرسم حولها الحدود وتُنصب عليها الأعلام.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: هذا الصراع وهمٌ يقوم على فهم خاطئ لطبيعة الثقافة ذاتها. فالثقافات لا تنشأ في فراغ محكم الإغلاق، ولم تعرف الجغرافيا المغاربية يوماً حواجز صلبة تمنع الأفكار والعادات والألحان من العبور. الرجل الذي غنّى في تلمسان سمعه أبناء عمومته في فاس وتونس وأعادوا صياغته بلهجتهم وآلاتهم، فمن الذي "يملك" تلك الأغنية؟ والطبق الذي طُبخ بتوابل جاءت من الأندلس ولحم من السهول وأسلوب من المطبخ العثماني، لأيّ بلد "ينتمي" بالضبط؟
إن الإجابة الصادقة هي: لا أحد يملكه، والجميع يرثه. التراث المشترك ليس غنيمة تُقسَّم، بل هو ميراث مشاع تزداد قيمته كلما اتسع من يحمله. والسعي لاحتكاره ليس دفاعاً عن الهوية، بل هو في حقيقته تشويه لها، لأن هوية المغرب العربي قامت منذ فجر تاريخها على التبادل والاستيعاب والامتزاج.
والأخطر من ذلك أن هذه الصراعات لا تُنتج إلا استنزافاً للطاقة وتعميقاً للشقاق بين شعوب تجمعها من الأواصر أكثر بكثير مما يفرّقها. فعوضاً عن التنازع على من اخترع الكسكس أو من أبدع الشعبي أو من أصّل الطرز المطرّزة، قد يكون الأجدى الاحتفال معاً بأن هذا الإرث الإنساني الجميل نبت في ربوع مشتركة، وجرى في عروق متشابكة، وأن الفخر به لا يُنقصه التشارك، بل يُضاعفه.



مقال جميل جدًا، أصبت في كل كلمة، للأسف بعض الأشخاص المشحونين بالتعصب القبلي و الوطني يرون الثقافة كأداة للفصل و الإقصاء المجتمعي، أتمنى أن تنشرين أكثر في المستقبل، دمتي سالمة
يعني هي قامت حضارة المنطقة على الهوية الأمازيغية التي تعتبر جذورها، ومع ذلك تسمينها المغرب العربي. هل من تعصب أكثر من هذا ؟