جذور لا تُنكر وانتماء لا يُباع
هذا المقال وُلد من نقاش مع
@massinemoha
شكرًا لأنك أثرت سؤالًا يستحق أكثر من تعليق.
حين تصبح الهوية خندقًا
أتابع منذ فترة الجدل المتصاعد حول هوية منطقة المغرب العربي، وفي كل مرة أقرأ فيها هذا النقاش، يراودني شعور واحد: أننا نتحدث عن أنفسنا كما يتحدث الغرباء عن بعضهم.
فريق يرى في التسمية العربية طمسًا لحضارة أمازيغية ضاربة في القدم، وفريق يرى في إحياء الهوية الأمازيغية تهديدًا للوحدة الإسلامية وفتنةً مدسوسة. وبين الفريقين، لا أرى نقاشًا — أرى خندقين.
والحقيقة التي يتجنّبها الطرفان هي أن هذه المنطقة لم تكن يومًا ملكًا لهوية واحدة، ولم تنتظر أحدًا ليمنحها شرعيتها.
الأمازيغ هنا قبل أن يكون للتاريخ المكتوب ذاكرة طويلة. بنوا مملكة نوميديا، وأخرجوا من أرضهم يوغرطة الذي أرّق روما وأذلّها. وحين جاء الإسلام، لم يأتِ إلى أرض خاوية — جاء إلى حضارة لها عمودها الفقري. ومع ذلك، لم يكسر الأمازيغ أمام الإسلام — بل أسلموا وحملوه وعبروا به البحر إلى الأندلس، وكان قائد الفتح طارق بن زياد أمازيغيًا قبل أن يكون أي شيء آخر.
هذا لا يعني أن الانتماء العربي الإسلامي طارئ أو مفروض. فالعربية لم تُفرض بالسيف على ألسنة أهل المنطقة — بل اختاروها لغةً للعلم والفقه والشعر، واندمجوا في الحضارة الإسلامية اندماج الشريك لا المغلوب. وما أنتجوه داخل هذه الحضارة يكذّب كل رواية ضحية — ابن خلدون وابن رشد والمازري والوزان لم يكتبوا كمن يحمل هوية مسلوبة، بل كمن يبني صرحًا يخصّه.
إذن من أين يأتي هذا التوتر؟
يأتي حين تتحوّل الهوية من ذاكرة إلى سلاح. حين يستخدم البعض الجذر الأمازيغي لا ليحيوا تراثًا، بل ليشككوا في الانتماء الإسلامي ويفككوا ما بنته قرون. وحين يستخدم آخرون العروبة لا ليحتفوا بالحضارة المشتركة، بل ليخجلوا من البربري في داخلهم.
الهويتان تعرّضتا للتسييس، وهذا هو الجرح الحقيقي.
ما أؤمن به — وما يقوله التاريخ بوضوح — أن الانتماء العربي الإسلامي والجذر الأمازيغي لم يتنافسا يومًا في وعي أهل المنطقة، إلا حين أراد أحدهم أن يجعلهما يتنافسان. الإنسان الذي يفخر بيوغرطة ويصلّي الفجر ويقرأ المتنبي لا يعيش تناقضًا — يعيش ثراءً.
المنطقة لا تحتاج إلى من يختار لها هوية، وتحتاج إلى من يتوقف عن استخدام هويتها لأغراض لا علاقة لها بها.
وهذا — في رأيي — هو السؤال الحقيقي الذي لم نطرحه بعد: من يستفيد حين نتشاجر على من نحن؟


احببت المقال وحبيتك اكثر 💗
المشكل سيدتي وهو الأمر الذي لم تنظري له بعد بالعين النقدية هو التسمية نفسها، لا أعتقد أنك سمعت عن الجدل الواسع حول التسمية وأنها أتت من تلك الفئة التي تحدثت عنها في منشورك و المتعصبة للعروبة، هناك تسمية في الأوساط النخبوية هي المغرب الكبير، مارأيك في ذلك ؟ أم أن غيرتك على المنطقة لا يمكن أن تكون إلا إذا علا اسم العروبة على كل شيء ؟