جرح مغاربي مفتوح: في الخلاف الجزائري المغربي
تخيّل أنك تجلس مع شاب من الضفة الأخرى يقرأ ما تقرأ، يصلي كما تصلي، يحلم بما تحلم، ويغضب مما يغضبك. ثم تفتح هاتفك فتجد ألف صوت يخبرك أنه عدوّك. تتوقف لحظة وتسأل نفسك: من الذي قرر هذا؟ ومتى؟ ولماذا؟
هذا المقال لا يدافع عن حكومة ولا يهاجم أخرى. هو فقط دعوة للتفكير قبل أن ينجح المحرّضون في سرقة عقلك.
أولاً: الجرح الذي صنعه غيرنا
الحدود بين المغرب والجزائر لم تنبت من التاريخ، بل رُسمت بمسطرة فرنسية لم تسأل أحداً. القبائل التي كانت تتنقل بين الجبال والسهول وجدت نفسها فجأة "مغربية" أو "جزائرية" بقرار من باريس. ثم اندلعت "حرب الرمال" عام 1963 — أي بعد سنة واحدة فقط من الاستقلال الجزائري — وكأن أول ما أردنا فعله بعد طرد المستعمر هو تقليده في رسم الحدود بالدم.
منذ ذلك اليوم، والملف يتضخم ويتعقد: الصحراء الغربية، إغلاق الحدود منذ 1994، قطع العلاقات الدبلوماسية عام 2021. والخاسر في كل محطة؟ الشعبان، لا غيرهما
ثانياً: ما تقوله لك وسائل التواصل كذب منظّم
الخوارزمية لا تريد منك أن تتأمل — تريدك أن تغضب. الغضب يجعلك تضغط وتعلّق وتشارك، وهذا يعني أرباحاً لشركات لا تعرف اسمك ولا تبالي بقضيتك.
المحرّضون على الجانبين يعرفون هذه اللعبة جيداً: مقطع مقتطع من سياقه، تعليق استفزازي، "دليل" على خيانة الجار — وفي ساعات يتحول الشاب العادي إلى جندي في حرب لم يُعلَن عنها رسمياً. وفي نهاية اليوم، يتحدث السياسيون في الفنادق الفاخرة بينما يتراشق الشباب بالكلام على الإنترنت.
اسأل نفسك دائماً: من يستفيد من غضبي هذا؟
ثالثاً: ماذا يقول الإسلام في هذا كله؟
هنا الحجة الأقوى، والأكثر إلزاماً لمن يؤمن.
قال النبي ﷺ: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه". وقال تعالى: "إنما المؤمنون إخوة" — وليس "إخوة إلا إذا اختلفتم في الحدود".
الأخوة الإسلامية ليست شعاراً للمناسبات، بل هي رابط يعلو على القومية والحدود والولاء السياسي. والفقه الإسلامي صريح: إثارة الفتنة بين المسلمين من الكبائر. الذي يجلس على منصات التواصل ليُحقّر أخاه المسلم بسبب جنسيته لا يقاتل من أجل دينه — بل يخالفه.
والتاريخ الإسلامي المشترك بين البلدين لا يُنكَر: ابن باديس الجزائري وعلال الفاسي المغربي ناضلا في سياق واحد ضد المستعمر ذاته، الحركات الدينية الاصلاحية كانت تعبر الحدود دون استئذان. والأندلس الضائعة كانت مشتركة في الحلم والمصيبة على السواء.
رابعاً: الذباب الإلكتروني — جنود الفتنة المجهولون
ما تراه على منصات التواصل ليس دائماً رأياً حقيقياً لشخص حقيقي. خلف كثير من التعليقات المشتعلة والمقاطع المستفزة بين الشباب المغربي والجزائري، تقف شبكات منظمة يُطلق عليها الباحثون اسم "الذباب الإلكتروني" — حسابات مُوجَّهة، بعضها آلي وبعضها بشر مدفوعو الأجر، مهمتها الوحيدة إشعال الغضب وتأجيج الكراهية بين الشعبين.
هذه الحسابات تعمل بأسلوب ممنهج: تنتقي مقطعاً مقتطعاً من سياقه، تضيف تعليقاً يقطر استفزازاً، ثم تنتظر حتى يتداوله المخلصون الغيورون بحسن نية دون أن يتحققوا من مصدره. وفي ساعات، يتحول الشاب العادي إلى جندي في حرب لم يُعلَن عنها رسمياً، معتقداً أنه يدافع عن وطنه بينما هو في الحقيقة ينفّذ أجندة لا يعرف أصحابها.
والأخطر من الحسابات المزيفة هم الأشخاص الحقيقيون الذين يجدون في التحريض شهرةً سريعة ومتابعين — "المؤثر القومجي" الذي لا يملك مشروعاً ولا فكرة، لكنه يعرف أن السبّ والتحريض يجلبان التفاعل أسرع من أي محتوى بنّاء.
قاعدة ذهبية: أي محتوى يجعلك تكره شعباً بأكمله في أقل من دقيقة — لا تشاركه. ليس لأنك جبان، بل لأنك أذكى من أن تكون أداة مجانية في يد من يكسبون من فتنتك.
خاتمة: الاختيار بيدك
لا أحد يطلب منك أن تتجاهل الخلافات السياسية — فهي حقيقية ومعقدة وتحتاج حلولاً. لكن ثمة فرق جوهري بين نقد السياسات وكره الشعوب.
حين تشتم مغربياً لأنه مغربي، أو جزائرياً لأنه جزائري — فأنت لا تدافع عن وطنك، بل تتحول إلى أداة في يد من يريدون إبقاء هذا الجرح مفتوحاً إلى الأبد.
أخوك على الضفة الأخرى لم يختر مكان ولادته، تماماً كما لم تختر أنت. لكن كلاكما يملك اليوم خياراً واحداً حقيقياً: أن تكون جزءاً من الفتنة، أو جزءاً من الإجابة
ملحوظة من الناشرة:
نُشر هذا المقال بنية دحض خطاب الكراهية، لا الدفاع عن أي حكومة.أو مهاجمة أخرى


كلامك من ذهب شكرًا جزيلًا لتطرقك لهذا, نحن نحتاج التوعية بخطورة الأمر و تداعياته إذا استمر
أصبت حقيقة لا أفهم سبب نشر هذا الكره احيانا أحس أنه مزيف فقط يتم تضخيمه في المواقع لكي لا يفقد قوته في الواقع . أنا كمغربية أرى أننا نحن دول شمال إفريقيا بيننا الكثييييييبر من النقاط المشتركة التي يجب أن تعزز روابطنا لا ان تكون سببا في تدميرها . نسأل الله أن يزيل هذه الفتنة