اعتقالات زيوريخ: القصة الكاملة لفساد لم يُحاسَب عليه أحد
**قصة الفساد التي ابتلعت كرة القدم العالمية**
---
في الثامن والعشرين من مايو 2015، اعتُقل سبعة من كبار مسؤولي الفيفا في فندق فخم بزيوريخ، قبل أيام فقط من إعادة انتخاب جوزيف بلاتر رئيساً للاتحاد الدولي لكرة القدم. لم تكن تلك اللحظة سوى الذروة المرئية لفساد ممنهج استمر لعقود داخل أعرق مؤسسة رياضية في العالم.
بدأت القصة فعلياً حين فتح مكتب المدعي العام السويسري تحقيقاً جنائياً في سبتمبر 2015، بالتوازي مع تحقيق أمريكي موسع قاده مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة العدل الأمريكية. اتُّهم أكثر من عشرين مسؤولاً ومرتبطاً بهم في مخطط استمر أربعة وعشرين عاماً لإثراء الذات على حساب اللعبة الأكثر شعبية في العالم. الاتهامات شملت الرشوة، وغسيل الأموال، والاحتيال المرتبط بحقوق البث وعقود التسويق لبطولات كأس العالم والقارية.
القضية الأشهر التي هزّت عرش الفيفا كانت ما عُرف بـ"الدفعة غير المشروعة" بقيمة مليوني فرنك سويسري، التي حوّلها بلاتر إلى ميشيل بلاتيني، رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم آنذاك، في فبراير 2011. الدفعة، التي قيل إنها مقابل عمل استشاري قدّمه بلاتيني بين عامي 1998 و2002، جاءت قبيل انتخابات رئاسة الفيفا التي كان بلاتر يخوضها ضد محمد بن همام القطري، في وقت كان فيه نفوذ بلاتيني الأوروبي حاسماً. لجنة أخلاقيات الفيفا أوقفت الرجلين ثماني سنوات في ديسمبر 2015، فأنهت بذلك حلم بلاتيني بخلافة معلمه على رأس الاتحاد الدولي.
القضاء السويسري استغرق ست سنوات قبل أن يوجّه لائحة اتهام رسمية للرجلين في نوفمبر 2021. المحاكمة الأولى انطلقت في يونيو 2022، وانتهت ببراءتهما. استأنف الادعاء العام الحكم، فعادا إلى قاعة المحكمة في مارس 2025، وطالب فيها الادعاء بالسجن عشرين شهراً موقوفة التنفيذ. لكن محكمة الاستئناف الفيدرالية في موتنتس أكدت في الخامس والعشرين من مارس البراءة للمرة الثانية، لتنتهي قضية استمرت قرابة عشر سنوات دون إدانة، رغم أنها كانت السبب المباشر في إقصاء أقوى رجلين في كرة القدم العالمية من مناصبهما. حتى محمد بن همام نفسه، خصم بلاتر في تلك الانتخابات، لم يخرج نظيفاً: تقرير حول ملف استضافة ألمانيا لكأس العالم 2006 كشف عن دفعة بعشرة ملايين دولار من رئيس اللجنة المنظمة الألمانية فرانتس بكنباور إلى شركة يملكها بن همام، دون تفسير مقنع، ما أدى إلى حظره مدى الحياة من أي نشاط كروي في 2012.
لكن فساد الفيفا لا يُختزل في ملفات الماضي. فحين تولى جياني إنفانتينو الرئاسة في 2016 خلفاً لبلاتر، تعهد بأن تكون عملية اختيار مستضيف 2026 "بلا تشوائب"، وقال صراحة إن مصداقية الفيفا "على المحك". اليوم، ومع انطلاق بطولة 2026 فعلياً في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، يبدو أن التساؤلات حول نزاهة المؤسسة لم تخفّ، بل تبدّلت طبيعتها فقط.
أبرز هذه التساؤلات اليوم يتعلق بعلاقة إنفانتينو الشخصية بدونالد ترامب. الرئيس الأمريكي عيّن نفسه رئيساً لفرقة العمل المنظمة للبطولة على الأراضي الأمريكية، وظهر إلى جانب إنفانتينو في حفل كشف كأس بطولة الأندية للعالم في يوليو 2025، حيث احتفظ بالكأس الأصلية في المكتب البيضاوي وتُرك لاعبو تشيلسي الفائزين بنسخة مكررة منها. منظمة "فير سكوير" غير الربحية تقدّمت رسمياً بشكوى إلى لجنة أخلاقيات الفيفا، معتبرة أن منح ترامب جائزة "فيفا للسلام" غير المسبوقة يتناقض مع مبدأ الحياد السياسي الذي طالما تباهت به المنظمة.
تساؤل آخر يتعلق بالشفافية المالية: حجم الرهانات المرتبط ببطولة 2026، التي توسعت إلى أكثر من مئة مباراة بمشاركة 48 منتخباً بدلاً من 32، يُقدَّر بخمسين مليار دولار عالمياً، فيما تبقى ماليات الفيفا نفسها، بحكم وضعها القانوني الخاص كمنظمة غير ربحية مسجلة في سويسرا، بعيدة عن الرقابة العامة المعتادة. وفي سبتمبر 2025، مُنح إنفانتينو لقب مواطن شرفي في مدينة ريجيو كالابريا الإيطالية، المعروفة بارتباطها التاريخي بالمافيا، من عمدة المدينة الذي يخضع هو نفسه لتحقيق بتهم صلات بالجريمة المنظمة، في واقعة أثارت استغراباً واسعاً.
كذلك، فتح المدعون العامون في ولايات نيويورك ونيوجيرسي وتكساس وكاليفورنيا تحقيقاً مشتركاً في ممارسات الفيفا الخاصة بالتذاكر والتسعير لبطولة 2026، وسط شكاوى من ارتفاع الأسعار وغياب الشفافية في آلية التوزيع. الفيفا، من جانبها، أكدت لوسائل إعلام أنها نفّذت "إصلاحات واسعة وخطوات ملموسة" لاستعادة مصداقيتها منذ 2016، لكن منتقدين مثل بونيتا ميرسياديس، المسؤولة الأسترالية السابقة التي ساهمت في كشف فساد الفيفا في العقد الأول من الألفية، يرون أن المنظمة باتت "أكبر من أن تُحاسَب أو تُفكَّك".
ما تكشفه هذه السلسلة الممتدة من القضايا ليس مجرد فضائح فردية منتهية الصلاحية، بل بنية حوكمة هشة سمحت لعقود بتركّز السلطة المالية والتنظيمية في أيدي قلة قليلة، بلا رقابة فعلية تُذكر. فالأسئلة التي كانت تُطرح عام 2015 عن صفقات الكواليس وشراء الأصوات، تحولت اليوم إلى أسئلة عن تسييس البطولة وغموض تدفقات المال وتقارب السلطة مع الأنظمة والشخصيات المثيرة للجدل. التعويضات التي حصل عليها بلاتر وبلاتيني من الدولة السويسرية بعد البراءة تطرح سؤالاً أعمق: هل كانت الملاحقات القضائية أداة عدالة حقيقية، أم صراع نفوذ داخلي استُخدم القانون فيه لإقصاء خصوم؟ والأهم: هل تغيّرت الفيفا فعلاً، أم أنها فقط تعلّمت كيف تُدير صورتها بشكل أفضل؟ الإجابة، مع انطلاق أضخم نسخة من كأس العالم في تاريخها، لا تزال مفتوحة تماماً كما كانت قبل عقد من الزمن.
---



جميل المقال جاء بشكل سريع